فخر الدين الرازي

247

المطالب العالية من العلم الإلهي

اعلم : أن حال هذه المسألة : حال عجيبة . وذلك لأن الخلق أبدا كانوا مختلفين فيها ، بسبب أن الوجوه التي يمكن الرجوع إليها في هذه المسألة متعارضة متدافعة . وتقرير ذلك : أن نقول : الجبرية : عولوا في تقرير قولهم على أن الممكن لا بد له من مرجح . وهذه المقدمة مقدمة بديهية . وإذا كان الأمر كذلك ، فالقادر على الضدين يمتنع أن يرجح أحد الطرفين على الآخر ، لا لمرجح . وذلك المرجح ليس منه ، وإلا لزم التسلسل ، بل هو من اللّه « 1 » . وحينئذ يلزم الجبر .

--> ( 1 ) يقول المسيح عليه السلام : « لما كان كل إنسان محتاجا ، كان يعمل كل شيء لأجل منفعته . ولكن اللّه الذي لا يحتاج إلى شيء ، عمل بحسب مشيئته . لذلك لما خلق الانسان خلقه حرا ، ليعلم أن ليس للّه حاجة إليه . كما يفعل الملك الذي يعطي حرية لعبيده ، ليظهر ثروته ، وليكون عبيده أشد حبا له . إذا قد خلق اللّه الإنسان حرا ، لكي يكون أشد حبا لخالقه وليعرف جوده . لأن اللّه وهو قادر على كل شيء ، غير محتاج إلى الإنسان . فإنه إذ خلقه بقدرته على كل شيء ، تركه حرا بجوده ، على طريقه يمكنه معها مقاومة الشر وفعل الخير . وإن اللّه على قدرته على منع الخطيئة ، لم يرد أن يضاد جوده . إذ ليس عند اللّه تضاد . فلما عملت قدرته على كل شيء وجوده ، عملهما في الإنسان ، لم يقاوم الخطيئة في الإنسان ، لكي تعمل في الإنسان رحمة اللّه وبره » [ برنابا 155 : 10 - 16 ] .